حسن الأمين
17
مستدركات أعيان الشيعة
وعلى ذلك فإنه يرى أنه لا بد لكل صورة خيالية من حقيقة واقعية : وذلك ما يبرز الفارق بين الاتجاه الكلاسيكي وبين الاتجاه الثائر الذي يمثله عبد القاهر الذي يذهب إلى أن التشبيه كلما كان أشد خفاء كانت الاستعارة أروع ، ولذا فان الاستعارة المكنية أقوى من الاستعارة التصريحية لما فيها من الخيال الذي يجعل « الصور التي تحدث للمعاني بسببه ، آنق وأعجب » . ( 1 ) ولأنها الأقدر على إعادة بناء العلاقات بين الأشياء عن طريق الكشف عن خصائص الأشياء وجواهرها . كما يرى النقد الحديث . موقف الحاتمي من القدم والحداثة يقف الحاتمي إلى جانب الاتجاه الكلاسيكي القديم في مواجهة الاتجاه المحدث ، فإذا دعا المتنبي إلى أن يتجه الشاعر بكليته إلى طبعه ، متجاوزا أحيانا الأصول الموروثة إذا اقتضى الأمر واستملح التجديد فان الحاتمي يأخذ على الشاعر قوله : تمر الأنابيب الخواطر بيننا وتذكر إقبال الأمير فتحلولى لأنه أتى فيه ببيت مردف في قصيدة غير مردفة ، وعد هذا شاذا . وعند ما رد عليه المتنبي بان هذا الشعر « عذب على اللسان غير قلق في الإنشاد » ذهب إلى أن « قوما لا علم لهم لا يرون هذا شاذا ، ولا يرون الواو المفتوح ما قبلها ولا الياء شاذا ردفا ، يزعمون أنهما ليسا بحرفي مد ، لأن الصوت لا يمتد بهما كامتداده بالياء والواو المكسورة والمضموم ما قبلها . وذلك غلط من قائله . ثم يقول » . . فليس لمحدث أن يرتكب مثل ذلك ، ولا يتسمح في قوافيه بشيء من المعائب وإن كانت موجودة في أشعارهم على طريق الشواذ « . ( 2 ) وعلى ذلك فان الحاتمي لا يفسح مجالا واسعا للإبداع والتفنن ، بل يقيس الأمور بمقياس كلاسيكي محافظ ، يقوم على قدر قرب ذلك النتاج أو بعده عن الأصل النموذجي الموروث . ومن أدلتنا على ذلك الموقف قوله معقبا على قول الشاعر : شاحب باطن كصدر يمان صارم الوقع لف في غير جفن ومتى ثم عاد عضبا حساما وجلا شفرتيه حد المسن لم يكن عن جناية لحقتني عن يساري ولا جنتها يميني بل جناها أخ وخل كريم وعلى أهلها براقش تجني ثم يعقب على هذه الأبيات متسائلا « أفيجوز لمحدث أن يأتي بمثل هذا ويحتج به أو بمثله ؟ كلا » . فيقول المتنبي مؤكدا اتجاهه المضاد - وبالضد يظهر الضد - « قد أكثرت القول فيما لا اعتد بشيء منه ، وإنما أجري على طبعي ، وأقول ما يسوغه لساني » . ( 3 ) وهكذا يتضح موقفه في مناصرته للقديم ومواجهته لكل حديث . ويلجا الحاتمي - كذلك - إلى المقاييس الكلاسيكية في تقويم معاني الشعراء ، ذلك المقياس الذي يبني على ما ألفه العرب من المعاني وما تداولوه وتعارفوا عليه ، دون أن يطلق العنان للشعراء كي يبدعوا ويضيفوا بذلك رصيدا هائلا إلى القيم الفنية والفكرية التي تركها أسلافهم ، لا أن يقتفوا آثارهم ويعيشوا على فتاتهم يجترون ما تصل إليه أيديهم ، فهو يعقب على قول المتنبي : خف الله واستر ذا الجمال ببرقع فان لحت حاضت في الخدور العواتق ويذهب إلى أن هذا البيت مخالف للموروث من التعبيرات الجارية ، ثم يقول « أهكذا ينسب بالمحبين ؟ . . » ( 4 ) . وكذلك يعيب قول المتنبي في وصف الغيث : لساحيه على الأحداث حفش كأيدي الخيل أبصرت المخالي ويقول « فاما أن يستسقي مستسق للقبور غيثا يحفش تربها وينبش ثراها ، فلم يقله أحد . وإنما يستسقي لديار الأحبة ولقبور الأعزة لتكلىء تلك الأرض ، وتعشب تلك البلاد فتنتجع . فيتذكر أهلوها ويترحم على من واراه الترب فيها ، وينتجع كل من ناى عنها ثم يحترسون في السقيا من أن تدرس مغانيها وأثارها كما قال طرفة : فسقى ديارك [ عير ] غير مفسدها صوب الربيع وديمة تهمى ( 5 ) وهذه دعوة صريحة إلى التحجر في أطر القوالب التعبيرية الجاهزة التي ألفها الشعراء . ولعل تلك الدعوة قد وقفت حاجزا بين الشعر العربي وبين النماء والتقدم والازدهار ، ولبس الكسوة ذاتها مع بعض التزويق والزخرفة الخارجية طوال الفترة الممتدة حتى الحرب العالمية الأولى . . إلى أن قامت ثورة عارمة على الاتجاه الكلاسيكي الجديد ، تلك الثورة التي قادها فرسان مدرسة الديوان في مصر العقاد والمازني وشكري ، وإن كان قد سبقتهم دعوات بدأت مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين من أمثال سليمان البستاني وإبراهيم اليازجي وخليل مطران وغيرهم من الذين تأثروا بالاتجاه الرومانسي في الغرب . السرقات عند الحاتمي حظيت قضية السرقات الشعرية باهتمام كبير عند النقاد العرب القدامى من أمثال القاضي الجرجاني والآمدي وأبي هلال العسكري وابن طباطبا العلوي وغيرهم ، ولم يخرج الحاتمي عن الدائرة التي رسمها أولئك النقاد ، ولكن الإسراف في الذاتية والتحامل المحموم الذي اتسمت به رسالة الحاتمي هو الذي جعلها تأخذ طابعا خاصا . فقد اتفق معظم أولئك النقاد على أن النسخ سرقة لا مجال للتأويل فيها أو الدفاع عنها ، وذلك ما أكده الحاتمي حين أشار إلى إساءة المتنبي في قوله : الأديب المهذب الأصيد الضرب الذكي الجعد الرئيس الهمام ويقول « فإنك ( أي المتنبي ) نسخته نسخا من قول البحتري : سالمتني الأيام لما تحرمت بظل الرئيس ذي الأنعام بالأديب المهذب الفاضل القدم الأبي الندب الوفي الهمام « ثم يعقب على ذلك بقوله « وما ظننت أحدا تجرأ على هذا اجتراءك
--> ( 1 ) دلائل الاعجاز 355 . ( 2 ) الرسالة الموضحة 77 . ( 3 ) المصدر السابق نفس الصفحة . ( 4 ) الرسالة الموضحة 14 . ( 5 ) المصدر السابق 41 .